سنتطرق في  هذا المقال إلى إشكالية الفهم وذلك لما لها من أهمية في العملية التعليمية، حيث أن هذا الموضوع يشغل العديد من المهتمين بالأمور التربوية وخاصة المدرسين، وهذه الحيرة نابعة من كون تقدم المستوى الدراسي والتعليمي للمتعلمين لا  يصاحبه تحسن في درجة كفاءة المتعلم. أو بتعبير آخر، هناك نوع من عدم التناسب بين درجة كفاءة المتعلمين ومستواهم الدراسي. 

ما هي عملية الفهم؟

إن المقصود بعملية الفهم يمكن أن يختلف باختلاف مجالات المعرفة أو بتعبير آخر نقول أن كل تعريف يمكن أن يعكس مجالًا معينًا من مجالات المعرفة. وسنعتمد في هذا المقال على التعريفات المقدمة في مجالي علم اللغة النفسي وعلم التربية و الامتحانات.
– ففي علم اللغة النفسي يعرف الفهم بأنه: “عملية تفاعل يلعب فيها القارئ و النص والسياق دورًا أساسيًا، وفيها يقوم القارئ بعملية إنتاج للمعنى وذلك  بتفسير محتوى النص انطلاقًا من معلوماته و أفكاره الشخصية ومن خلال ما يرمي إليه من عملية القراءة.”– أما في مجال علم التربية و الامتحانات فيعرف الفهم بأنه: “تمرين يطلب فيه المدرس من التلميذ أن يقرأ أو يسمع نصًا ثم يجيب على عدد من الأسئلة التي يستطيع من خلالها التعرف على مدى فهم المتعلم للنص، ومعرفة مدى تحقيق الأهداف المنشودة من العملية التعليمية.”

كيفية حدوث عملية الفهم؟

للتطرق إلى هذا الموضوع سنعتبر أن عملية الفهم تحدث نتيجة قيام الفرد بعدة عمليات ذهنية تسمح له بإعطاء معنى للنص. لقد كان هذا الموضوع محل اهتمام العديد من الباحثين، وفي هذا العمل سنقوم بذكر عملين قام بهم باحثان و قدموهم محاولين من خلالهما تفسير كيفية حدوث أو طبيعة العمليات الذهنية التي توصلنا إلى الفهم.

أ- النموذج الأول

وهو الذي اقترحه أنتوان دو لا جارندوري  Antoine DE LA GARANDERIE  زعيم التيار التربوي الذي يعرف باسم ”الإدارة التربوية للعمليات الذهنية”. ويهتم هذا الباحث بدراسة طبيعة النشاط الذهني الذي يقوم به التلميذ أثناء العملية التعليمية، وهذه العملية – حسب رأي  أنتوان دو ل لا جارندوري – ترتكز على عنصريين أساسيين هما:

أولًا: المشروع

ويُقصد به أن يكون للتلميذ هدف يرمي الوصول إليه من وراء فهمه للمادة العلمية،  بل وأن يتصور نفسه -عند حدوث العملية التعليمية – في حالة تطبيق لذلك المشروع.

ثانيًا: تكوين صور ذهنية

أثناء عملية التعلم يقوم التلميذ بتكوين صور ذهنية – سمعية كانت أو بصرية- لما يقوم به المدرس أثناء شرح الدرس. بتعبير آخر، لكي تتم عملية فهم المادة العلمية يقوم التلميذ بترجمة المعلومات إلى صور ذهنية. إن عملية الترجمة هذه تعتبر عملية أساسية لاستيعاب المعلومات و لاستدعائها من وقت إلى آخر، الأمر الذي يجب الإشارة إليه هو أن ترجمة المعطيات إلى صور ذهنية وبالتالي تخزينها داخل الذاكرة تتطلب إيجاد علاقة معينة بين المعطيات الجديدة والمعطيات التي تم تخزينها، فبدون إيجاد أي نوع من العلاقة لا نستطيع أن نترجم مضمون المادة العلمية إلى صور ذهنية وبالتالي لا تتم عملية الاستيعاب.

ب- النموذج  الثاني

هو الذي قدمه جوديث إيروين  Judith W. Irwin ، والذي أشار فيه إلى المراحل المختلفة التي تمر بها عملية الفهم، أو بتعبير آخر العمليات الذهنية التي يقوم بها القارئ لإعطاء معنى للنص. هذه العمليات هي :

أ – العمليات الأولية الصغيرة و هي التي تدخل في فهم عناصر الجملة و تسمح لنا بالتعرف على الكلمات و قراءتها مع بعضها البعض.

ب – عمليات التكامل و الدمج   وهي التي تساعد على البحث عن التماسك والانسجام الموجود بين الجمل.

ج – العمليات الذهنية الكبرى وهي التي تهدف إلى فهم المعنى العام للنص وذلك باعتباره كلًا متكاملًا وكذلك بفضل استعمال تركيبات أو أجزاء النص والتعرف على الأفكار الرئيسية.

د – عمليات التكوين وهي تلك التي تسمح للقارئ بإعطاء معنى آخر للنص بفضل عمليات الاستنباط الشخصية و الافتراضات والصور والعمليات الذهنية.

العناصر التي تلعب دورًا في عملية الفهم و تحدد مدى نجاح العملية  التعليمية:

 

إن طبيعة عملية الفهم تحتم على الباحث الاعتماد على نتائج العملية التعليمية لدراسة هذا الموضوع. بتعبير آخر يمكن أن نقول أن عملية الفهم تجري في ما نسميه بالصندوق الأسود  Black Box. إن هذه الخاصية لم تمنع الباحثين- و خاصة علماء النفس – من تقديم عدد من الافتراضات لشرح العناصر التي تتدخل في إدارة العمليات التعليمية. وقد انطلق هؤلاء الباحثون من نقطتين هما:

 

أ – النتائج التي توصل إليها المتعلم بعد فترة معينة من التعليم.
ب – وضعية أو حالة المتعلم وقت انطلاق العملية التعليمية.

ويعتمد الباحثون عند دراستهم  للنقطة الأولى على نتائج العملية التعليمية معتمدين على الدرجات المتحصل عليها و ذلك باعتبارها أداة تسمح لنا بإيجاد نوع من العلاقة بين المدخلات والمخرجات.