في ظل إرتفاع أسعار المعيشة تزامُنًا مع ثبات رواتب المعلمين، إنفتاح الطلاب على التكنولوجيا وما ترتب عليه من تغيرات في سلوكهم وميل بعضهم للهجومية، زاد ثقل مهنة التدريس، وشارك إحدى المعلمين أسبابه في ترك المهنة، مُستهلًا حديثه بجملة “إليك فرصتك الأخيرة”، وفي هذا المقال سنقدم جزء من رسالته مع التركيز على الأسباب والنقاط الأساسية فيها.

“لاتعتبرني متشائمًا أو رافسًا للنعمة، ليس مهمًا لأن رأيك يمكن أن يكون هو رأيي أيضًا، و قد انتقدت نفسي قبلك، و طال تفكيري كثيرًا حتى دخلت في دوامة حِرت معها بين ترك المهنة  والسعي وراء حياة جديدة، وقبول الواقع وتقبل القدر الذي يسجنني بين جدران الفصل، بين روتين التدريس وإكراهاته، مهنة لم أخترها، بل أجبرت عليها لظروف شتى…

قد أتحمل بعض المسؤولية نعم! لكنني أرى الفرصة مازالت أمامك، سأحذرك و أنبهك قبل فوات الأوان! قبل أن تستسلم لمغريات و ضغوطات مختلفة و تتحمل أيضا تلك المسؤولية، قد تجد حينها نفسك باحثا عن فرصة الرجوع إلى نقطة البداية، نقطة الاختيار لتغيير القرار. إليك فرصتك الأخيرة، هذه أسباب قد تجعلك تختار أي مهنة غير التدريس، هي من وحي تجربتي المتواضعة  وتجربة زملاء كثر ممن أجاورهم أو جاورتهم، ومدرسين ذوي خبرات طويلة في الميدان. إذا لم تقنعك فامض إلى سبيلك و اكتشف مستقبلك كمعلم، وإن نجوت بنفسك فاعلم أن قدرك لم يكن يوما هو التدريس ، بل شيئا آخر ستبين الأيام إن كان أفضل أو أسوأ.”
المعلم

1- أجر زهيد

مقارنة مع ما يبذله المدرسون من مجهودات وثقل المسؤولية المُلقاة على عاتقهم وكونهم من القلائل الذين يصرفون من مالهم الخاص لشراء أدوات ووسائل اشتغالهم، فإن أجرتهم ماتزال بعيدة عن المستوى المطلوب بل زهيدة في أغلب الدول العربية.

2- بيئة عمل دون المستوى

وهي من الأمور التي تنفر المدرس قبل الطالب من المدرسة و تجعل ساعات العمل طويلة لا يحس فيها الفرد بالراحة ولا بالرغبة في بذل مجهودات أكبر من المطلوب. فالمدارس في البلدان العربية خصوصًا في العالم القروي، لا تعدو أن تكون أكواخًا أو بيوتًا من صفيح أو حتى قاعات دراسية تفتقر إلى أبسط المرافق والوسائل التعليمية.

3- التشتت الاجتماعي

كونك مدرسًا سيتطلب منك تقديم تضحيات جسيمة خصوصًا في بداياتك، قد تجعلك تؤجل مشروع زواجك وحتى لو تزوجت فمن المرجح أن تعيش بعيدًا عن زوجتك وعائلتك في بعض الحالات. سترى السنين تمر بسرعة البرق وأنت مازلت في نفس المدرسة وفي نفس القرية بعيدًا عن الأهل والأحباب.

4- بقدر سيئاتها بقدر حسناتها

“كاد المعلم ان يكون رسولًا” مرارًا و تكرارًا أسمع هذا البيت الشعري، و مايزيدني إلا رعبًا عندما أتذكر أن هذه المهنة تثقل كاهل المرء بمسؤولية عظيمة، خاب من استهان بها وفاز من بدل فيها الكثير من الجهد قد يفوق التصور أحيانًا.

معلمو المدارس

5- الحلقة الأضعف

المدرس دون الموظفين الآخرين يعاني الأمرين. فإضافة إلى ظروف عمله المزرية و أجره الزهيد مقابل طبيعة عمله، فقد أصبح الحلَقة الأضعف في السلم الإداري و الذي عبره تُمرّر القرارات الحكومية المجحفة وبه تبدأ السياسات التقشفية و التدابير الإصلاحية المُغرضة.

6- آفاق مسدودة

أغلب من بدؤوا حياتهم المهنية كمدرسين تقاعدوا كذلك أو ماتوا على ذلك، القليل فقط من أتم دراسته الجامعية ونال شهادات عليا فتحت له آفاق التطور، فضيق الوقت و الجهد الكبير لا يترك للمعلم متنفسا لتحقيق ذاته و تنمية معارفه، بل إن بعض الحكومات تحرم موظفيها من المدرسين من إكمال أو متابعة دراستهم وهو ما لا يمكن استيعابه قط لكونها حقا و قيمة إضافية في نفس الوقت.

7- أمراض التعليم

عندما تستعمل الطبشور بشكل كبير يوميًا و تضطر إلى سماع ضجيج داخل الفصل أحيانًا قد يفقدك أعصابك وتقف بالساعات أمام الطلاب للشرح والتوجيه والتصحيح، فلا تتعجب من ظهور بعض الأمراض بعد مدة من اشتغالك في ميدان التدريس، فالكثير من الأساتذة خصوصًا المتقاعدون ممن أعرفهم يعانون أمراضًا مزمنة لها علاقة بـ ( الأذن، الأعصاب، ضغط الدم، السكر، الظهر)

كل ما قرأته من أسباب لا تجعل ترى من التربية والتعليم مهنة غير مرغوب فيها، لكنها تضع معايير كثيرة أغلبها متعلق بالاستعداد النفسي للاستمرار فيها دون كلل و تذمر.