الرئيسية » الأساليب والألعاب التربوية » كيف تنشئ « طفل مبدع » ؟! توقف الآن واستمع للخبراء

كيف تنشئ « طفل مبدع » ؟! توقف الآن واستمع للخبراء

يبحث الكثير من الآباء والأمهات عن أفضل الطرق ليعلو أطفالهم مستقبلًا قائمة نجوم العالم في أي مجال يريدونه دون الاكتراث لميول أطفالهم أو اهتماماتهم، ظنَّـاً منهم أنهم أقدر على رسم المسارات المثالية، وتحديد الاختيارات الصحيحة، ومعرفة أفضل المجالات وأنسب التخصصات المعرفية، لكنهم يصطدمون بعكس التوقعات، في حين أن عائلات أخرى تختلف عنهم في بحثها وفكرها تزدهر بنوابغة مبدعين في مجالات متنوعة ومختلفة، لذا يتساءل العديد من الآباء والأمهات عن أفضل الطرق لتنشئة طفل مبدع حتى يصل إلى العبقرية.

العديد من الأخصائيين النفسيين يجيبون على هذا التساؤل من خلال النتائج التي توصلوا إليها خلال دراساتهم وأبحاثهم.

إنهم يتعلمون القراءة والحساب في سن السادسة، ويتعلمون لغة أجنبية بطلاقة في سن الثامنة، من النادر أن يصبح الأطفال النوابغ عندما يكبرون عباقرة يغيرون العالم، و قد نفسر ذلك أنهم تنقصهم المهارات الاجتماعية والعاطفية ليصبحوا فاعلين في مجتمعاتهم.

لكن عندما تنظر إلى الدليل، فإنك ستجد هذا التفسير غير كافٍ، حيث أن أقل من ربع الأطفال الموهوبين يعانون من مشاكل اجتماعية وعاطفية، أما الغالبية العظمى منهم متكيفون مع المجتمع. –  آدم جرانت

2

يناقش الكاتب Dean Keith Simonton في كتابه The Wiley Handbook of Genius كل مناحي العبقرية مستعينًا بمساهمات من مجموعة من الخبراء في مجالات متنوعة، ويتناول الأصول والصفات والوظائف ونتائج العبقرية مع التركيز على العلوم المعرفية، والفروقات الفردية، والتطور خلال الحياة، و السياق الاجتماعي، وتتلخص سطور الكتاب في أن:

الأطفال الموهوبون لديهم ثلاث صفات شاذة: إنهم ينضجون قبل أوانهم، ويتعلمون بشكل يختلف عن أقرانهم، ولديهم حافز قوي للتعلم، وتعتبر موهبة معدل الذكاء المرتفع شيئًا عالميًا في بعض الأوقات لكنها أيضًا غير عادلة، فالأطفال الموهوبون في الفنون سيُظهرون نفس السمات الثلاثة السابقة، وتظهر علامات الموهبة لديهم في سن مبكرة جدًا، خلال أول سنتين أو ثلاث سنوات من العمر، وتكون في مجال معين، وبالرغم من محاولات تفسير الموهبة اعتمادًا على التنشئة فليس هناك دليل يسمح لنا باستبعاد أهمية العنصر الفطري.

إن عائلات الأطفال الموهوبين لديهم قائمة من الصفات مثل: تركيز اهتمامها على الطفل، توفير بيئات معززة، لديها توقعات عالية، وتمنح الاستقلالية. لكننا لانستطيع أن نجزم بأن هذه الصفات تؤدي إلى تطور الموهبة.

كلما زادت الموهبة كلما زادت الصعوبة لدى الطفل في إيجاد أطفال آخرين يشبهونه، وبالتالي ستزيد احتمالية أن يكون لديه صعوبات اجتماعية وعاطفية.

إن الرابط بين الموهبة في الطفولة والعبقرية في الكبر ضعيف، حيث أن الكثير من الأطفال الموهوبين يصبحون متميزين في مجالات متخصصة، ومعظمهم غير مؤهلين ليصبحوا عباقرة عندما يكبرون، ويناقش الكاتب أيضًا الأسباب المحتملة لذلك.

ما يجعلهم يتراجعون أنهم لم يتعلموا أن يصبحوا مبدعين، إنهم يسعون لكسب رضى آبائهم وإعجاب مدرسيهم، لكن شيئًا غير متوقع يحدث عند مشاركتهم في البطولات أو المسابقات، وهو أننا نكتشف أن (التدريب يصنع الإتقان، لكنه لا يخلق الإبداع).

إن الموهوب يتعلم أن يؤدي مقطوعات موزات بإتقان، لكنه نادرًا مايؤلف موسيقاه المبتكرة، إن الموهوبين يركزون طاقاتهم على استهلاك المعرفة العلمية الموجودة وليس إنتاج معارف جديدة، إنهم يتقبلون الالتزام بالقوانين بدلًا من اختراع قوانينهم الخاصة، يشير أحد الأبحاث إلى أن أكثر الأطفال إبداعًا هم أقلهم حصولًا على تدليل معلميهم، مما يدفع هؤلاء الاطفال للاحتفاظ بأفكارهم الإبداعية وعدم مشاركتها.

أما في سن النضج، فمعظم الأطفال النوابغ يصبحون خبراء في مجالاتهم وقادة في منظماتهم، لكن حسبما يقول اختصاصي علم النفس Ellen Winner (جزء صغير من الأطفال الموهوبين يصبحون في النهاية بالغين مبدعين) ويقول أيضًا (هؤلاء هم الذين يجب أن يصنعوا الانتقال المؤلم) ليصبحوا أشخاص بالغين يستطيعون (إعادة تجديد أي مجال).

معظم النوابغ يستخدمون قدراتهم الاستثنائية في وظائفهم دون إحداث أي نقلة نوعية مطلقًا، إنهم يصبحون أطباء يعالجون مرضاهم دون محاولة إصلاح النظام الطبي المختل، أو محاميين يدافعون عن موكليهم في محاكمات غير عادلة دون أن يحاولوا تحويل القوانين.

ما الذي يلزم لتنشئة طفل مبدع؟1

قامت دراسة بمقارنة عائلات أطفال مصنفين من ضمن الـ 5% الأكثر إبداعًا في مدارسهم بعائلات الأطفال الغير مبدعين.

وجد أن عائلات الأطفال العاديين لديهم قوانين يصل معدل عددها إلى ست قوانين، مثل: المواعيد المحددة للنوم وحل الواجبات، بينما عائلات الأطفال الأكثر إبداعًا لديهم معدل عدد أقل من واحد.

ربما من الصعب تنشئة الإبداع، لكن من السهل إعاقته، إن الآباء يشجعون أطفالهم على التفكير بأنفسهم عندما يقللون القوانين، (إنهم يميلون للتأكيد على القيم الأخلاقية بدلًا من قوانين محددة) بحسب تقارير أخصائية علم النفس في هارفرد Teresa Amabile.

وقد أوضحت مقارنة تم إجراؤها بين عائلات أكثر المعماريين إبداعًا ومجموعة من أقرانهم ذوي كفاءة عالية وغير مبدعين في أمريكا، أن عائلات المعماريين المبدعين كانوا يشجعون أطفالهم على السعي نحو النجاح والتفوق، والاستمتاع في عملهم أيضًا، للأطفال الحرية في تنظيم قيمهم واكتشاف اهتماماتهم الخاصة. إنهم يُنشؤون ليزدهروا كبالغين مبدعين.

وفي دارسة أجراها أخصائي علم النفس Benjamin Bloom حول الجذور المبكرة للعالميين من الفنانين والموسيقين والعلماء تعلَّم أن آباءهم لم يكونوا يحلمون بتنشئة أطفال نجوم، بل استجابوا لدوافع أطفالهم الداخلية عندما أظهروا اهتماماتهم وحماسهم في مهارة معينة. لقد كان آباؤهم يدعمونهم.

لم يكن لدى عازفو البيانو مدرسين نخبة، بل كانت دروسهم الأولى بواسطة معلمين يعيشون بقربهم وحولوا تلك الدروس إلى متعة، لقد أظهر موزارت اهتمامه بالموسيقى قبل أن يأخذ الدروس، و تعلمت ماري لو ويليامز عزف البيانو بمفردها.

حتى أفضل الرياضيين لم يكونوا أفضل من أقرانهم عندما بدؤوا، الشي الوحيد الذي يتذكره معظم نجوم كرة التنس عن مدربيهم الأوائل أنهم جعلوا اللعبة ممتعة.

3

منذ أن نشر مالكوم غلادويل (قاعدة العشرة آلاف ساعة) واقترح أن النجاح يعتمد على الوقت الذي نقضيه في التدريب، اندلعت المجادلات حول اختلاف أهمية عدد الساعات اللازمة ليصبح الشخص خبير بحسب المجال والشخص، لكننا لم نلاحظ سؤالين بالغي الأهمية:

  • الأول: ألا يعمينا التدريب عن طرق تطوير مجالات دراستنا؟

لقد أظهر البحث أنه كلما تدربنا أكثر كلما أصبحنا مقيدين أكثر، مقيدين داخل طرق تفكير متشابهة.

  • الثاني: ما الذي يدفع الناس للتدرب على مهارة لآلاف الساعات؟

إن أكثر إجابة مقنعة هي (الشغف) الذي يُكتشف من خلال حب الاستطلاع الفطري أو المكتسب عبر خبرات ممتعة مبكرة وعند أداء نشاط أو أنشطة كثيرة.

لقد أظهر الدليل أن المساهمات المبدعة تعتمد على اتساع وليس فقط عمق معرفتنا وخبراتنا، في مجال الموضة مثلاً، أكثر المجموعات إبداعًا تأتي من المدراء الذين قضوا معظم الوقت في العمل في الخارج.

في مجال العلوم، لا يتعلق الفوز بجائزة نوبل بعقل عبقري يهتم بأمر واحد بل بعبقرية تهتم بأمور كثيرة، و بالمقارنة مع علماء مميزين فإن الحائزين على جائزة نوبل تزيد لديهم احتمالية القدرة على تأدية أدوار الممثلين أو الراقصين أو السحرة بمقدار 22 مرة، وأن يكتبوا الشعر أو المسرحيات أو الروايات بمقدار 12 مرة، وأن يمارسوا الحرف والفنون بمقدار سبع مرات، و أن يعزفوا الآلات أو يؤلفوا الألحان الموسيقية بمقدار مرتين.

لا أحد يجبر هؤلاء العلماء اللامعين على الاندماج في الهوايات الفنية، إنه انعكاس لحبهم للاستطلاع، وفي بعض الأوقات يقودهم هذا الفضول إلى الفطنة الذكية.



اضف تعليقا