الرئيسية » حول العالم » لماذا تحتل المراكز الأولى العالمية؟.. سر نجاح التعليم في فنلندا (1-2)

لماذا تحتل المراكز الأولى العالمية؟.. سر نجاح التعليم في فنلندا (1-2)

لقد جذب أنظار العالم بأكمله النجاح المتكرر الذي حققه طلاب فنلنديون في الخامسة عشرة من عمرهم في دراسات بيسا (برنامج تقييم الطلاب الدوليّ)، التي تنظمها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). وتتجلى أهم نقاط القوة التي تُميِّز نظام التعليم في فنلندا في قدرته على ضمان نفس فرص التعليم للجميع، بغض النظر عن الخلفية الاجتماعية أو الاقتصادية. فبدلاً من التنافس والمقارنات، تركز المدرسة بوجه عام على دعم الطلاب وإرشادهم على المستوى الفرديّ.

كما أن المعلمين مدربون تدريبًا رفيع المستوى، حيث يتطلب التدريس في جميع المراحل التعليمية حصول المعلم على درجة الماجستير، بالإضافة إلى دراسات موسعة في العلوم التربوية والمواد الدراسية. وبالطبع تحظى مهنة المعلم بتقدير بالغ.

تشجع المدارس الفنلندية طلابها على الاعتماد على أنفسهم في التفكير والمذاكرة وعمل الأبحاث

يقوم معلم واحد بتدريس معظم المواد الدراسية للتلاميذ الصغار مما يوفر لهم الدعم النفسيّ والشعور بالأمان. كما ينبغي أن يضمن المعلم خلو الفصل الدراسيّ من كافة أشكال التمييز والتحرش. ولا يبدأ تقييم التعلم من خلال الدرجات حتى يصل التلميذ إلى الصف الدراسيّ الخامس. تتسم العلاقة بين المعلم والطلاب بالألفة والهدوء، كما يعتمد التحفيز على التشجيع أكثر منه على العقاب.

بعد التخرج من المدرسة الشاملة، يصبح لدى كافة الطلاب الفرصة للتركيز على التعليم العام والمهنيّ طبقًا لميول كل منهم. كما يستطيع الفنلنديون الاستمرار في الدراسة بطرق شتى في جميع مراحل حياتهم. هذا، ويحمل 25% من الفنلنديين شهادات جامعية، أو شهادات من المعاهد متعددة الفنون، ينتمي 36% منهم إلى الفئة العمرية التي تتراوح بين 25 و34 عامًا.

التعليم مجانيّ في جميع مراحله من الروضة وحتى الجامعة. ويضمن استثمار عوائد الضرائب في تمويل التعليم جودة التعليم وتكافؤ الفرص للجميع.

تحتل فنلندا مركز الصدارة، أو أحد المراكز الأولى، في كافة دراسات بيسا (PISA)، والتي تنظمها منظمة التعاون الاقتصاديّ والتنمية (OECD) كل ثلاثة أعوام منذ عام 2000. ويقيس برنامج بيسا (PISA)قدرات الطلاب البالغين 15 عامًا من العمر في إجادة الرياضيات والعلوم والقراءة. ومن الجدير بالملاحظة أن الفروق بين الحاصلين على أعلى الدرجات والحاصلين على أقلها، من بين الطلاب الفنلنديين، ضئيلة، وأن مستويات القدرات عالية في جميع أنواع المدارس.

يلتحق الأطفال الفنلنديون بالمدرسة في خريف العام الذي يبلغون فيه السابعة من عمرهم. ويسمح لهم ذلك باللعب وتنمية خيالهم والتمتع بالارتباط الآمن لفترة طويلة قبل الالتحاق بالمدرسة

في عالمنا الحديث، يشكل المواطنون المتعلمون المهرة عنصر الأمان في نجاح أي بلد وتقدمها. وقد كان تقدم المجتمع الفنلنديّ إلى الصفوف الأولى بين أغنى دول العالم خلال النصف الثاني من القرن العشرين، ثمرة سعي مواطنيها للحصول على التعليم العام، ولاستثمار الدولة في مجال التعليم كذلك.

ومنذ بداية القرن التاسع عشر، ألقت القرارات العليا البذور الأولى لنجاح نظام التعليم بصفة مستمرة. فقد قررت فنلندا توفير التعليم للأمة بأسرها. وبهذه الطريقة، تجنبت الدولة غياب المساواة الاجتماعية بين الصفوة المتعلمة والطبقة الدنيا من غير المتعلمين. كما أسهمت رغبة المواطنين في التعلم في ترسيخ الإيمان بالتعليم. فصار من المتوقع أن يظل الفنلنديون على اطلاع دائم على مجموعة كبيرة من القضايا والاهتمامات المجتمعية.

حل المشكلات العالمية من خلال التعليم

يتطلب إيجاد حلول للتحديات التي يواجهها المجتمع – مثل تغير المناخ، وتذبذب الاقتصاد العالميّ، وارتفاع عدد كبار السن، ومخاطر التكنولوجيا الحديثة، والأوبئة، والهجرة الجماعية – تغييرات في أسلوب الحياة وأنواعًا جديدة من النشاط. ففي فنلندا، كما في جميع أنحاء العالم، يؤدي تدفق أنهار من المعلومات وحركة البشر إلى ظهور تحديات جديدة تواجه التعليم التقليدي. ومهما كان نظام التعليم قويًّا، فإنه يحتاج إلى تطوير وتجديد مستمر حتى يظل ناجحًا. كلما ارتفع مستوى تعليم أي أمة، زادت قدراتها على مواجهة التحديات المعقدة التي يتسم بها عالمنا الحديث.

التعليم هو حجر الزاوية في بناء الديمقراطية والمجتمع الحديث

يقول يورما كوبينن مدير التعليم العامّ بالمجلس الوطنيّ الفنلنديّ للتعليم: “يدعم المستوى الرفيع الذي يتميز به نظام المدارس الفنلندية إيمانًا قوميًّا راسخًا بأن الشعب هو أهم مورد من موارد الأمة، وله الحق في الحصول على تعليم رفيع المستوى”.

اليوم الدراسيّ في فنلندا أقصر منه في أي دولة أخرى من أعضاء منظمة التعاون الاقتصاديّ والتنمية (OECD)، غير أنه يُستثمر بصورة فعالة

يتم إنفاق ما بين 11 و12% من الميزانية العامة للدولة وميزانيات البلديات الفنلندية على التعليم. وتغطي تلك النسبة التعليم المجانيّ قبل المدرسيّ، والتعليم الأساسيّ، والتعليم الثانويّ، والتعليم الفنيّ، والتعليم العالي، والتعليم المستمر، والدراسات العليا، كما تموِّل بصورة جزئية التعليم الحرّ للكبار. ويشكل هذا بدوره العمود الفقريّ للتعلم المستمر مدى الحياة، المتاح لجميع مَن يعيشون في فنلندا.

ويقول كوبينن: “ارتبط إنشاء نظام المدارس الابتدائية بصحوة في الوعي الوطنيّ القويّ، إذ كانت الأمة في أمس الحاجة إلى مواطنين متعلمين ومطلعين وإلى ثقافة أدبية”.

وقد كانت هناك مدارس ابتدائية في معظم البلديات الفنلندية في أوائل القرن العشرين. كما وُضع قانون التعليم المدرسيّ الإلزاميّ في حيز التنفيذ في عام 1921، والذي ينص على أن يكمل جميع الأطفال 6 أعوام على الأقل من التعليم الإلزاميّ.

ثم جاءت نقطة تحول كبرى في سبعينيات القرن العشرين، عندما تم استبدال التعليم الابتدائيّ والثانويّ بمدارس شاملة في البلديات يستمر التعليم فيها لمدة تسع سنوات، ومن ثَمَّ تم

تمديد التعليم الإلزاميّ لتسعة أعوام. وقد تَمثَّل هدف الإصلاح الخاص بالمدارس الشاملة في ضمان التعليم الأساسيّ المجانيّ والموحد لجميع الأطفال، بغض النظر عن محل إقامة أسرهم وأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية.

اللعب والرعاية يعدّان الأطفال للمدرسة

يبدأ التعليم المدرسيّ في فنلندا في سن متأخرة نسبيًّا، أي في السنة السابعة من العمر. فطبقًا للخبرة التربوية الفنلندية، يحتاج الأطفال إلى وقت ومساحة للنمو والتطور. يشغل التعلم مرحلة حساسة من حياة الأطفال ويشجعهم على التعليم والإبداع. وفي خلال السنوات الأولى من التعليم، يحصل الوالدان على معلومات شفهية بخصوص أداء الطفل ومستواه في المدرسة.

أما في الطفولة المبكرة، فيستمتع الأطفال برعاية والديهم واهتمامهم بهم. كما يشارك الأطفال في أنشطة جماعية في مراكز الرعاية النهارية، مثل اللعب وممارسة الرياضة والأنشطة التي تمارَس في الأماكن المفتوحة. بالإضافة إلى ذلك، يحصل الآباء والأمهات، ممَن لديهم أطفال صغار على إجازات طويلة لرعاية الأطفال. كما تستطيع العائلات أن تختار بين مراكز الرعاية النهارية العامة والخاصة، أو مجموعات الرعاية النهارية الصغيرة في منزل أحد مقدمي الرعاية للأطفال.

ليس هذا فحسب، بل يمكن أن يحصل الأطفال البالغون ست سنوات من العمر على التعليم قبل المدرسيّ سواء في المدارس أو في مراكز الرعاية النهارية. ومن ثم، يلتحق جميع الأطفال – تقريبًا – البالغين ستة أعوام من العمر بالتعليم قبل المدرسيّ.

وإذا لزم الأمر، فقد يلتحق الطفل بالمدرسة قبل أو بعد الوقت المحدَّد بعام واحد، طبقًا لتقييم يجرى لقياس استعدادهم للالتحاق بالمدرسة.

المدارس المحلية والثقة تنتجان تعليمًا مدرسيًّا عالِيَ الجودة

يوجد في فنلندا ما يقرب من 3000 مدرسة شاملة تضم 550،000 طالب. وفي الواقع، تقع مسؤولية تنظيم عملية التدريس فيها على عاتق البلديات. في واحدة من أهم النتائج خلصت دراسة بيسا (PISA) إلى أنه من بين كافة الدول المشاركة، تتمتع فنلندا بأقل قدر من الاختلافات بين المدارس.

ويقول السيد كوبينن: “يُعدّ ذلك نتيجة لمبدأ الاعتماد الأساسيّ على المدارس المحلية، والمعلمين الحاصلين على تعليم رفيع المستوى، وثقافة الثقة”.

أما مبدأ المدارس المحلية، فيعني أن يلتحق جميع الأطفال والشباب تقريبًا بالمدارس القريبة من محل سكنهم، ومن ثم يقطع ذلك المبدأ الطريق على التقسيمات التي تعتمد على الوضع الاجتماعيّ للأسرة. وبما أن المدارس تتميز بكفاءة عالية، نجد الآباء راضين عن المدارس المحلية بصفة عامة، ومن ثم لم تتأسس مدارس خاصة بالصفوة بجانب المدارس المحلية الشاملة. بيد أنه هناك القليل من المدارس الخاصة في بعض الأماكن، والتي ينبغي أن تحصل على ترخيص. تتلقى تلك المدارس تمويلاً ماليًّا من الدولة أيضًا، وتتبع المناهج الدراسية الوطنية، كما أنها ملزمة بقبول تلاميذ من المنطقة التي توجد بها.

وتمول البلديات كذلك انتقال الطلاب، الذين يعيشون في مناطق بعيدة بحيث لا يستطيعون الذهاب إلى مدارسهم سيرًا على الأقدام أو باستخدام وسائل النقل العام.

المعلمون يختارون وسائل التدريس

تضمن تدريب المعلمين كلاً من المهارات التربوية والمعرفة العميقة بموضوعات المناهج الدراسية. وبالرغم من أنه يتم تقرير المناهج وأهداف التعلم على المستوى الوطنيّ، فبإمكان المعلمين اختيار طرق التدريس الخاصة بهم بحرية في الفصول الدراسية.

يقول كوبينن: “يتم تفويض السلطة إلى البلديات والمدارس والمعلمين بشكل فرديّ، من جميع مستويات الإدارة التعليمية للتفاعل ومشاركة الملاحظات. وتثمر ثقافة الثقة هذه عن أشخاص – ليسوا فقط معلمين بل خبراء يعتمدون على أنفسهم”، فهم من ناحية على دراية باحتياجات طلابهم وبالفرص المتاحة أمامهم؛ كما أنهم، من ناحية أخرى، يحترمون أهداف المناهج الدراسية الوطنية.

تُعدّ الأدوات التعليمية عالية الجودة ذات أهمية كبيرة. لذا تدعم الاستثمارات الكبرى إنتاج الكتب المدرسية والأدوات التعليمية الأخرى باللغة الفنلندية، كما باللغة السويدية التي تُعدّ اللغة الرسمية الثانية في فنلندا. كما تتوفر المواد الدراسية – على نحو متزايد – بصورة إلكترونية وعلى الإنترنت.

هذا، ويرى كوبينن أن التحدي القادم بالنسبة إلى المدارس سيتمثل في تطوير التعاون بين المدرسة والبيت، وفي المضي قدمًا بالحوار بين المدرسة والمجتمع المحيط بها.

تعليم المعلم يضمن تعليمًا عالِيَ الجودة

يحمل جميع معلمي المدارس الشاملة، المعينون للعمل بدوام كامل، شهادات جامعية.

وفي المدارس الابتدائية (التي تشمل السنوات الدراسية الست الأولى)، يقوم المعلم عادة بتدريس جميع المواد الدراسية. يحمل هؤلاء المعلمون درجة الماجستير في التعليم مع التركيز على المهارات التربوية. أما في المدارس الثانوية الدنيا والعليا، فيقوم المعلم بتدريس مادة دراسية معينة طبقًا لمجال تخصصه، ويحمل هؤلاء المعلمون درجة الماجستير في تخصصاتهم، كما ينبغي أن يدرسوا العلوم التربوية.

هذا، ويحمل المعلمون بمراكز الرعاية النهارية والتعليم قبل المدرسيّ شهادات جامعية أيضًا.

يُعدّ تدريس المعلمين مجالاً مفضلاً لدى كثيرين، كما يحظى بتقدير بالغ بالرغم من أن العاملين في هذا المجال لا يتقاضون أجورًا عالية نسبيًّا. ومن ثَمَّ، يبلغ عدد المتقدمين لتعليم المعلمين خمسة أضعاف الأماكن المتاحة.

يقضي التلاميذ الصغار فترات الراحة في اللعب في الأماكن المفتوحة سواء أكان الجو ممطرًا أو مشمسًا.

في المقالة التالية سنستكمل العرض التفصيلي لأسباب النجاح وسر التميز الذي وصل إلية نظام التعليم في فنلندا..



اضف تعليقا