الرئيسية » حول العالم » «القدس عاصمة إسرائيل».. المناهج التعليمية الإسرائيلية تغزو مدارس القدس

«القدس عاصمة إسرائيل».. المناهج التعليمية الإسرائيلية تغزو مدارس القدس

«من شأن تدريس المنهج الإسرائيلي في مدارس القدس المحتلة، أن يعزز السيادة الإسرائيلية هُناك»، كان وزير شؤون القدس الإسرائيلي، زئيف إلكين، صريحًا ومباشرًا في تصريحه، المبارِك لتنفيذ القرار القاضي بإلزام المدارس العربية في القدس المحتلة، بتدريس المناهج الإسرائيلية، والكتب الصادرة عن دائرة المعارف الإسرائيلية.

لم تشبع إجراءات استهداف المنهج الفلسطيني في القدس، من حذف لبعض النصوص والدروس والآيات القرآنية والشعر؛ الرغبة الإسرائيلية في السيطرة على عقول الطلبة الفلسطينيين؛ لذلك قررت اتخاذ خطوات أكثر تأثيرًا بفرض منهج إسرائيلي بحت على مدراس القدس التابعة لها.

واتخذت خطوات بين الإجبار والضغط والترغيب والترهيب، ليجد المقدسيون بين يدي أبنائهم كتبًا تتحدث عن أن القدس عاصمة إسرائيل، وأن إسرائيل هي الدولة، وبذلك يستمر صراع آخر بين المقدسيين والمؤسسة الإسرائيلية، لا تجد فيه السلطة الفلسطينية ومؤسساتها موطأ قدم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

«كيف لي أن أدرس التلاميذ بأن القدس عاصمة إسرائيل؟»

«كيف لي أن أدرس أبناءنا، بأن القدس عاصمة إسرائيل، وأن إسرائيل هي الدولة الرسمية لهم؟»، هذا التساؤل طرحه المعلم المقدسي أحمد (اسم مُستعار)، في بداية حديثه لـ«ساسة بوست»، فهو أحد المُعلّمين الذي أُغروا بمعاش كبير، وامتيازات عدة لتدريس المنهج الإسرائيلي في مدارس القدس.

وأضاف أحمد (30 عامًا): «لم أستطع الاستمرار في هذا العمل أكثر من أسبوع، اعتقدت أن الأمر أهون بكثير من ذلك، وطنيتي دفعتني لأتراجع بسرعة عن موقفي». رأى أحمد أن ما كان يقوم به «جريمة خطيرة تُمارس على طفل، وُلد وفي يده العَلَم الفلسطيني، ورضع -كما يُقال- الانتماء الوطني».

وأوضح المعلم المقدسي: «كنت أرى الأهالي القادرين على نقل أبنائهم إلى المدارس الخاصة لاستيائهم من المنهج الإسرائيلي، وأتمنى أن يفعل الجميع مثلهم، لذلك أخذت قرارًا عاجلًا بترك كل شيء». ويتابع أحمد: «بلدية القدس الإسرائيلية لم يقتصر موقفها على حذف ما تسميه بالمناهج المحرضة في الكتب التعليمية؛ بل عجلت بفرض منهج يحمل كل شيء يخالف الحقيقة عن القضية الفلسطينية».

من حذف المعلومات إلى تغيير المنهج كليًّا

بدأت إسرائيل بحذف شعار المناهج عن الكتب الفلسطينية، ثم حذفت بعض النصوص والدروس والآيات القرآنية، والشعر وكل ما تعتبره «موادًا تحريضية»؛ لذلك لم يشمل تفسير سورة «قريش»، وبخاصة آية: «إيلافهم رحلة الشتاءِ والصّيف»، مفهوم بلاد الشام على أنها فلسطين والأردن وسوريا ولبنان.

وكان للقصائد الشعرية أيضًا نصيب من الحذف مثل قصيدة الشاعر عبد الرحيم محمود: «أحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى.. فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى».

ونشرت أسبوعية «يروشاليم»، تقريرًا في أغسطس (آب) الماضي، أكدت فيه أن البلدية الإسرائيلية، ووزارة المعارف، شطبتا من الكتب التعليمية تفسير آيات من القرآن، وأبيات شعر وطنية، تتعلق بالنضال من أجل فلسطين، ووزعتا كتبًا على المدارس تتضمن صفحات بيضاء فارغة، بعد أن قررتا شطب مضمونها وسطور سوداء خطت فوق النصوص الأصلية في الكتب.

تحدث «ساسة بوست» إلى رئيس الاتحاد العام لأولياء الأمور في مدارس القدس، زياد الشمالي، الذي وصف ما يحدث بأنه «أسرلة عقلية الجيل القادم في القدس، تقوم به المؤسسة الإسرائيلية منذ خمس سنوات».

وأوضح الشمالي: «قامت المؤسسة الإسرائيلية بعملية تشويه للمنهج الفلسطيني الذي يدرس في شرقي القدس بالمدارس العربية، حذفت الكثير من المواد الأساسية في الكتب، وألغت كل ما يتعلق بحق العودة والتاريخ النضالي وحقوق الفلسطينيين، وقامت بعملية تضليل، بحيث إن الطالب في مدارس البلدية التابعة للحكومة الإسرائيلية أصبح يدرس منهجًا محذوفًا منه كل ما هو فلسطيني».

لم تكتف إسرائيل بما سبق، فقد أقدمت منذ عامين على استبدال المنهج الفلسطيني في القدس، بالمنهج الإسرائيلي، كما يقول الشمالي، ويتابع لـ«ساسة بوست»: «هذا المنهج يحاكي الرواية والتاريخ الإسرائيلي الزائف، يلغي الهوية الفلسطينية نهائيًّا، ويدعو إلى القدس عاصمة إسرائيل، ويضع التوراة المحرفة بدلًا عن القرآن الكريم والأحاديث النبوية، ويعلم السلام الوطني الإسرائيلي خلافًا للسلام الوطني الفلسطيني».

وأوضح الشمالي أن المنهج الإسرائيلي يلغي وجود الشعب الفلسطيني، ويعتبر الشعب العربي بشكلٍ عامٍ محتلًا لبلاده التابعة للتاريخ اليهودي.

ما الذي يجعل المقدسيين مضطرين لدراسة المنهج الإسرائيلي؟

في يونيو (حزيران) الماضي، وزعت وزارة المعارف الإسرائيلية كتابًا رسميًّا على مدارس البلدية التابعة لها في القدس، يحوي الكتاب تهديدًا بفرض عقوبات على كل من يقوم بتدريس كتب المناهج التعليمية غير الكتب الموزعة من مطابع البلدية، جاء هذا الموقف بعد أن فشلت محاولات الوزارة بتوزيع كتب المنهج الإسرائيلي بعد حوالي أسبوعين من العطلة، أي قبل بدء العام الدراسي الجديد بشهرين، ردًّا على محاولات لجنة أولياء الأمور التي تقوم بتوزيع الكتب غير المحرفة، كما هددت المدارس التي لا تلتزم بهذا القرار بالإغلاق وفصل مدرسيها.

يبرز ما سبق جانبًا محدودًا من حقيقة الصراع الكبير بين المقدسيين والمؤسسة الإسرائيلية في قضية المناهج، فبعد شهرين من فرض العقوبات السابقة، اشترطت وزارة شؤون القدس الإسرائيلية لتحويل الميزانيات إلى مدارس البلدية أن تقوم هذه المدارس بتدريس المنهج الإسرائيلي، فمبلغ 20 مليون شيكل (الدولار يعادل 4 شيكلات) للمدارس في القدس الشرقية، والمخصصة لغرض تنفيذ أعمال ترميم وتطوير المؤسسات التعليمية، وتزويدها بحواسيب وملاعب رياضية ومختبرات، لن تصل المدارس التي لا تلتزم بتدريس المنهج الإسرائيلي.

وتعتبر حاجة المدارس لهذه الميزانية ماسة، إذ إن مدارس البلدية التي تحوي ما نسبته 48% من إجمالي الطلاب المقدسيين، وبها حوالي 58 مدرسة، تفتقر أبنيتها السكنية لمقومات التعليم، فلا أجهزة حواسيب ولا مختبرات علمية ولا أنشطة رياضية.

في البداية اعتقد بعض المقدسيين أن الوضع في المدارس التابعة للبلدية الإسرائيلية لا يختلف عن المدارس الأخرى، وعندما أدركوا أن المواد تختلف كليًّا بالمضمون، أخذوا يحاولون إبعاد أبنائهم عن هذه المدارس لكن الأمر لم يكن سهلًا، كما يقول لنا أبو سائد (46 عامًا).

ويروي لنا الرجل، وهو ولي أمر ثلاثة تلاميذ، أن ما يُصعّب الاستغناء عن مدراس البلدية من قبل المقدسيين أسباب عدة، فهناك مشكلة الضائقة في الصفوف الدراسية في المدارس الفلسطينية، لأن هناك نقص حوالي 2800 وحدة صفية في شرق القدس؛ مما يجعل الأهالي عاجزين عن إيجاد مدارس فلسطينية يلحقون أبناءهم بها ويبعدونهم عن مدارس المنهج الإسرائيلي.

«الناس في حيرة من أمرها، يتغلبون كثيرًا في إخراج أبنائهم من مدرسة تدرس منهج إسرائيلي لإلحاقهم بمدرسة فلسطينية تبعد مسافة كبيرة عن مكان سكنهم، في ظل الوضع الأمني الخطير داخل القدس»، كما يُوضح أبو سائد واقع الأمر.

أما فيما يتعلق بالمدارس الأهلية فيقول إنها «تتقاضى أقساطًا كبيرة، لا يستطيع المقدسي إخراج ابنه من مدرسة تابعة لبلدية القدس وإلحاقه بمدراس أهلية تتقاضى سبعة آلاف شيكل، غير شاملة المصاريف الأخرى للدراسة، لذلك يضطر الناس هنا لإبقاء أبنائهم في مدارس تابعة لبلدية الاحتلال لسوء الوضع الاقتصادي».

ولفت الرجل إلى أنّ المدارس الحكومية التابعة للسلطة الفلسطينية في القدس تفتقر للرقابة التعليمية والمستوى التعليمي فيها سيئ، إذ إن نسبة النجاح متدينة تصل إلى 5%، مُردفًا: «هنا تستغل إسرائيل الوضع بأن المنهج الفلسطيني ضعيف، والبديل المنهج الإسرائيلي القوي المتغير الديناميكي الذي يستطيع الطالب الإنجاز عبره».

إسرائيل تخترق الاتفاقيات والسلطة الفلسطينية «ملتزمة»

بينما ترجع السلطة الفلسطينية تقييد عملها في القدس الشرقية إلى اتفاقية «أوسلو»، يُعتبر فرض المنهج الإسرائيلي على مدارس القدس اختراقًا لبند كامل من معاهدة جنيف الرابعة، ينص هذا البند على أن «الوضع التعليمي في البلاد المحتلة: يقع على عاتق الدولة المحتلة توفير الأجواء التعليمية المناسبة للطلبة دون المساس بمجرى العملية التعليمية، أو منع استمرارها».

 يصف المختص في شؤون التعليم المقدسي، حاتم خويص، المؤسسات الفلسطينية المعنية بالتعليم في القدس، بأنها «عاجزة عن العمل ولا تستطيع أن تعمل ضمن الإطار الأوحد المرسوم»، مُنتقدًا موقف السلطة الفلسطينية في القدس، فيقول: «لا يمدون يد العون للتعليم في القدس، يتحججون باتفاقية أوسلو، وأن السلطة ليس لديها اليد العليا في القدس، في الحقيقة هناك ضعف فلسطيني كبير، فالسلطة لا تقدم شيئًا للمؤسسات المعنية بقضية التعليم المقدسي، ولا تفعل مؤسساتها شيئًا خارج ندوات القاعات المبردة».

ويوضح خويص خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن من يعمل لإنقاذ وضع التعليم هم اتحاد لجان أولياء الأمور، باعتبارها المؤسسة الشريعة التي تؤثر الآن، مشيرًا إلى أن ظروف القائمة التي تعمل ضمنها هذه اللجان صعبة، فحسب خويص، فإن «الاتحاد لا يعطي القوة والميزانية؛ بل يحرم ويناكف عليه ويقطع منه الكثير من الحقوق حتى لا يمارس الضغط على الحكومات والبلديات الإسرائيلية التي تريد فرض خطابها، فإسرائيل تمنع الميزانية المخصصة للجان، وتمنع عنها العمل الإيجابي، ويحاولون إيجاد أجسام بديلة للعمل تحت مظلة إسرائيلية بحتة».

ويؤكد المختص في شؤون التعليم في القدس على أن «هناك خطة شاملة لأسرلة المناهج الفلسطينية ضمن المعتقد الإسرائيلي، وتعني أسرلة المنهج دمج أو فرض الروايات الإسرائيلية داخل المنهج الفلسطيني؛ لمحو الكثير من التاريخ والمعتقد والإرث الحضاري للذاكرة الفلسطينية».



اضف تعليقا