الرئيسية » حول العالم » التعليم في اليونان .. ضحية أزمة الديون الخانقة (2-2)

التعليم في اليونان .. ضحية أزمة الديون الخانقة (2-2)

في المقال السابق الذي يحمل نفس العنوان ” التعليم في اليونان .. ضحية أزمة الديون الخانقة (1-2) “،  تحدثنا عن نظام التعليم وأشكاله وبخاصة التعليم الثانوي والفني أو الحرفي، وفي المقال هذا سنتعرض لإشكاليات التعليم في اليونان والتحديات التي يواجهها.

إشكاليات تعليمية

برغم الخطط الإصلاحية التي طُبِّقت على مدى العقود القليلة الماضية، لتطوير منظومة التعليم العام في اليونان، وتحقيق أرقام جيِّدة في مؤشـِّر تنمية التعليم للجميع، إلاَّ أن ثمة إشكاليات مازالت عالقة تؤثر على جودة التعليم، وقد تفاقمت هذه الإشكاليات في ظِل الأزمة الاقتصادية التي ضربت اليونان مؤخرًا، كما سنبيِّن بعد قليل.. ومن أبرز هذه الإشكاليات:

تراجع مُستوى الطلاب إلى مادون المُتوسِّط، في القراءة والعلوم والرياضيات، وِفقــًا لاختبارات البرنامج الدولي لتقييم الطلاب (تقرير منظمة التعاون والتنمية لعام 2012م).

قصور في أعمال الصيانة للأبنية التعليمية. وكذا في التجهيزات المدرسية.

يشكو الآباء من أن المناهج ما زالت تتسم بالحشو، وأن طُرق التعليم بالمدارس تدفَع نحو الحِفظ، وأن عدد ساعات المدرسة 7ساعات، مما يُسبب الإجهاد، وعدم القُدرة على التركيز لدى كثير من التلاميذ.

انتشار الدروس الخصوصية.

مُقارنة بالتعليم الأوروبي، فإن نظام التعليم في اليونان ليس بالجيِّد، ولازالت اليونان غير مُلتزِمة باتفاقية بولونيا الخاصة بتمديد عدد سنوات الدراسة، وهناك ضغوط قويَّة من قِبل الاتحاد الأوروبي، لإلزام اليونان بتطوير نظامها التعليمي في إطار الاتفاقيات الأوروبية التي تم التوقيع عليها.

مُشكلات تواجه المُعلَّمين، وفي مُقدِّمتها تراجع الخدمات المقدمة لهم، وقِلة رواتبهم.. وفي حوارات مع عدد منهم، يقول نيكوس كاتسوليس، الأستاذ بإحدى المدارس الثانوية «كل العائلات بما فيهم عائلتنا، لم تعد تبذل جهودًا كبيرة، والأساتذة لا يتم توظيفهم بعقد دائم»، ويقول كيريا كيديس أستاذ فنون جميلة «لقد عانيت من الإجازة الإجبارية، انتظرت سنة ونصف السنة للعودة للعمل، لم يكن لدي أي مكان أذهب إليه، بقيت في المنزل طوال هذه المُدة، كنت أقوم بأعمال منزلية، أطهو، وأحضَّر الطعام، لإرساله إلى ابنتي التي تدرس في ثيسالونيكي، وكنت أيضــًا أساعد ابني في الدراسة، وكنت أشرب أدوية ضد الكآبة، كي لا أشعر بأني عديم النفع، أو لا أقوم بتأدية واجبي».

تداعـيات أزمة الديون

بحسب خُبراء اقتصاديات التعليم، فإن الحالة الاقتصادية المُتردِّية التي تشهدها اليونان، على مدى السنوات الثلاث الماضية، ووصلت إلى أقصى مداها خلال الشهرين الماضيين، ومازالت الحلول غير واضحة المعالم، وسط سخط شعبي، لاتجاه الحكومة نحو سياسة التقشـُّف، والضغوط الأوروبية للإصلاح.. في ظِل أوضاع كهذه، فإن قطاع التعليم كغيره من القطاعات الخدمية والإنتاجية في اليونان، سوف تتفاقم إشكالاته، التي سبق أن ذكرنا بعضًا منها، ليس ذلك وكفى، بل ستظهر إشكالات جديدة بدأت بوادرها تلوح في الأفق، والنقاط التالية توضح ذلك:

كجُزء من إصلاح المناهج الدراسية، كان الاتجاه نحو تطوير منهج الحاسوب، في المدارس الابتدائية، وهذا أمر جيِّد، إلاَّ أن الوضع الاقتصادي صار عائقــًا أمام تحقيق ذلك، فقد رُصِد في المدارس أن لكُل خمسة وعشرين تلميذًا عشرة حواسيب فقط، وأن الذي يتعرض منها للتلف لا يتم إصلاحه أو استبداله لعدم وجود المال الكافي.

جامعة أثينا، وهي الجامعة الأفضل في اليونان، والتي كانت واحدة من بين أفضل500 جامعة في العالم، خلال عام 2014م، أعلنت أنها تواجه عجزًا يصل إلى خمسة ملايين يورو، وأن هذا سيحِد من نشاطها بشكل كبير، كما أعلنت أن نِسبة كبيرة من خرِّيجها، صاروا في ركب البطالة، وأن مُعدَّلات هجرة العقول ارتفعت بسبب الأزمة الاقتصادية.

يُزيد من الأزمة هجرة الآلاف إلى اليونان،جلهم جاؤوا من مناطق الصراعات المسلحة في سوريا والعراق، وللتعامل مع هذا التدفق من العمال والطلاب الجُدد، لجأت الحكومة اليونانية إلى سياسات التكامل الاقتصادي، ولكون اللغة أحد أهم التحديات التي تواجه هؤلاء المهاجرين، خصصت المدارس بعض الساعات الإضافية لتعليم اللغة اليونانية، والأنشطة اللا منهجية، لمُساعدتهم على تحقيق استفادة أفضل من الثقافات المُتعددة للوصول إلى أرضية مُشتركة.

أشار تقرير صدر مؤخرًا، إلى أن «الدخول المدرسي هذه السنة شهد موجات غضب وإضرابات عديدة، بسبب الإجراءات التقشفية الجديدة التي فرضتها الحكومة اليونانية على قطاع التعليم جراء الأزمة التي تعصف بالبلاد».

المؤسسات التعليمية الخاصة، أصبحت اليوم حِكرًا على الطبقة الغنية فقط، وصارت تعاني من مشاكل غير مسبوقة، يقول مدير إحدى المدارس الخاصة: «الأزمة الاقتصادية أثـَّرت بصورة كبيرة على المدارس الخاصة، التي فقدت أكثر من عشرين بالمائة من التسجيلات في أقسام السنة الأولى، حتى في الأقسام الأخرى، فإن المدارس الخاصة صارت تُعاني اليوم من نزيف كبير، بسبب انتقال التلاميذ إلى الدراسة بالمدارس الحكومية، التي هي بالأساس تعاني من ارتفاع أعداد التلاميذ في الفصول، وهذا من شأنه تهديد النظام التعليمي في اليونان بشكل كبير» .

بدأت لُغات جديدة تغزو المدارس الخاصة، حيث إن كثيرًا من الطلاب صاروا يرون في لغتهم الأم (اللغة اليونانية)، لغة تخاطب واجتماعيات، أكثر مما هي لغة عمل، وبحسب تقرير بثته شبكة (سكاي نيوز)، فإن اللغة الفرنسية التي كانت لسنوات طويلة لغة الصالونات والدبلوماسية في اليونان، بدأ الاهتمام بها بالتراجع، واللغة الألمانية التي كانت أمل كثير من الطلاب لاستكمال دراستهم العُليا في ألمانيا، أدت الكراهية بين اليونان وألمانيا على خلفية الجدل حول الأزمة الاقتصادية الأخيرة، إلى انحصار الاهتمام بها.

وتُشير تينازو غويولو مديرة معهد بيروجيا لتدريس اللغات، إلى أن تعليم اللغات في اليونان، زاد كثيرًا على حساب اللغة الأم، فكثير من الخرِّيجين يُريدون لغة عالمية تُساعدهم في التواصل مع العالم، وإيجاد فُرص عمل جيِّدة في بلدان بعينها، فإلى جانب الانجليزية التي يُقبل عليها أعداد كبيرة من الطلاب، دخلت التُركية والعربية والروسية والصينية كلغات جديدة بفضل التطوُّرات الاقتصادية، وتغيُّر مكانة الصين وتركيا على الساحة الدولية.



اضف تعليقا